محمد جمال الدين القاسمي
340
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
أقول : لا ريب في بلاغة ما قرره ونفاسته ، لولا تكلفه حمل الإخفاء على ما ذكره ، مما هو غير ظاهر فيه ، وليس له نظائر في التنزيل الكريم . فمجازيته حينئذ من قبل المعمى . وفي الوجوه الأول إبقاؤه على حقيقته بلا تكلف ، وشموله لها - غير بعيد . لأن في كل منها ما يؤيده ، كما بيناه . غاية الأمر أن ما قرره وجه منها بديع . وأما كونه المراد لا غير ، فدونه خرط القتاد - واللّه أعلم بأسرار كتابه - . وَلَوْ رُدُّوا أي عن موقفهم ذلك إلى الدنيا كما تمنوه ، وغاب عنهم ما شاهدوه من الأهوال لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ من الكفر والشرك وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ في وعدهم بالإيمان ، أو ديدنهم الكذب في أحوالهم . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 29 ] وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ( 29 ) وَقالُوا عطف على ( لعادوا ) أو استئناف ، إِنْ هِيَ أي ما الحياة ، فالضمير لما بعده ، إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا أي : ليست الحياة التي يتوهم فيها البعث ، والتي يتوهم فيه الرد إلا ، حياتنا الأولى وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ أي : بعد مفارقتنا هذه الحياة . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 30 ] وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قالَ أَ لَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ( 30 ) وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قال الجلال : أي عرضوا عليه . وقال ابن كثير : أي وقفوا بين يديه . قالَ أَ لَيْسَ هذا أي المعاد بِالْحَقِّ تقريعا لهم ، وردّا لما يتوهمون عند الردّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا أي : إنه لحق ، وليس بباطل ، كما كنا نظن . أكدوا اعترافهم باليمين إظهارا لكمال يقينهم بحقيّته ، وإيذانا بصدور ذلك عنهم بالرغبة والنشاط ، طمعا في نفعه . فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 31 ] قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ ( 31 ) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ أي : ببلوغ الآخرة وما يتصل بها ، أو هو